الفيض

جاء الشتاء أخيراً. أستطيع أن أكتب الآن.

أصدقائي يكلمونني دوماً عن الإنتحار. كأنهم يهددونني “إن لم تفعلي شيئاً سوف نموت وأنت السبب. وسنذكرك كل ليلة أنك لم تفعلي شيئاً لإيقافنا كما يفعل من سبقونا”.

أودّ أن أصرخ في وجههم أن ما يفعلونه بي غير إنساني فأنا لو استطعت لأعطيتهم قطعاً من روحي، لاخترت لهم القطع القليلة التي نجت من العاصفة وأنقذتني.

لكن ماذا عساي أن أفعل؟ كيف أنقذهم من الموت وأنا لا أستطيع إنقاذهم من الحياة؟

كيف أخبرهم أنني أريدهم أن يكملوا رحلتهم حتى النهاية وأن يكتشفوا كل الوجوه وكل الأماكن وكل الروائح وكل الجمال وكل التعب.. وأنا لم أبدأ يوماً بشيء وأكملته.

لطالما أردت كل شيء ولا شيء في الوقت نفسه. لم يكن حمل النواقص يتعبني يوماً، لكنّ الثقل ما عاد في الحمل بل بما لم أعد أحمل.

نافذتي الضيقة لم تعد تسعفني. ضاقت عليّ حتى ما عدت أستطيع الاختباء خلفها. إقرأ المزيد

Advertisements

النافذة الضيّقة

DSC_0173

لم أعد أتابع الأخبار. لم أعد أنظر إلى صور القتلى ولا أقرأ قصصهم. لم أعد أنظر إلى عيون الأطفال الذين ماتوا بعيون مفتوحة تنتظر أن يرى أحد ما رأت قبل أن تنطفئ. لم أعد أنتمي إلى هذا العالم المجنون.

لقد فصلت نفسي عن كل شيء. صرت أمرّ بكل هذه الأحداث كأنها لم تحصل. كأنها ليست قريبة مني. كأنها لا تقع في نفس الكوكب الذي ولدت فيه.

لست بلا قلب. قلبي فقط لم يعد يتسع للمأساة.

حاولت سابقاً أن أكون جزءاً من هذه الدوامة. رفضت “التضامن” واعتبرته إهانة لأنه يقلل من حجم انتمائنا للجنس البشري. حاولت أن أقول “لا” في وجه الظلم في أي مكان وزمان. فشلت وخاب أملي ولم يعد هناك مكان لأي أمل جديد. فهربت.

خلقت لنفسي مكاناً صغيراً فيه نافذة ضيقة أرى منها فقط ما أريد أن أراه. تخلصت من عقد الذنب والتقصير. تخلصت من الأمل وخيباته.

لم أستسلم. قررت فقط أنني لا أريد المواجهة. قررت أن أوقف كل معاركي وأصالح الطبيعة البشرية التي لن تتغير. ربحت معركة واحدة فقط واكتفيت بها. ربحت المعركة الكبرى مع نفسي وهذا الانتصار الصغير يكفيني لأنني به وحده فهمت معنى العيش بسلام. السلام لم يكن يوماً موجوداً خارج أرواحنا. إقرأ المزيد

نباتاتي الميتة

Illustration of Kyung Choi

لديّ خمس نباتات أهتمّ بها. الأولى ماتت من العطش. الثانية ماتت لأنني وضعتها على الحافة العالية فوقعت. اثنتان تعيشان نصف حياة، فهما لا تحتاجان كثيراً إلى اهتمامي، يكفيهما بعض الماء ونظرات الأسى ومشاعر الذنب بين الحين والآخر. الخامسة صبّارة صغيرة تحيا بأزهارها الوردية الستّ بكل سعادة ورضى لأنها لا تحتاجني.

لديّ يمامتان وضعتا عش صغارهما على شرفتي. تنظران إليّ بخوف وحقد دوماً لأنهما تعرفان كم أكرههما وتعرفان أن السبب الوحيد الذي يمنعني من رمي عشهما هو أنني أشفق على الصغار. يكرهان شفقتي ويحتقرانها. وأنا أيضاً.

لديّ في قلبي طفلة صغيرة أربّيها. تعرف أنني لا أستطيع الإهتمام حتى بنباتاتي فتهتمّ هي بي.

إقرأ المزيد

السماء في الحلم

16386887_1359739057433684_8737274092072233031_n-copy

لا أعرف أين توقفت عن الكتابة ولما. لكني مذ ذلك الحين لم أعد أعرف نفسي. مذ ذلك الحين كبرت كثيراً. صارت ذكرياتي كثيرة جداً حتى أن ذاكرتي بدأت تمحو أشياء وتضيف أخرى دون أن يكون لي في ذلك لا حول ولا قوة. وأصبحت مسؤولياتي التافهة كبيرة حتى أني صرت أدوّنها في كل مكان علّ ثقلها يخفّ. ثم أمحوها عن قصد أو غير قصد.

لما نكتب ولمن؟ ولما يكون أكبر ذنوبنا أننا لم نعد نستطيع الكتابة؟ كيف تكون أكبر الخيبات، رغم كثرتها ورغم كل الخسارات، أن نخسر بضع كلمات لم نعد نقوى على جمعها؟

حلمت أنني عجوز عمياء بملامح حادة وقاسية أردد على مسمع شابة تشبهني بالشعر الطويل “الكتابة تحتاج الدفئ ومكاناً آمناً يأويها. فإذا لم تستطيعي إلى الكتابة سبيلاً فهذا لأنك تفتقدين الإثنين. والأمرّ أنك تفتقدين القدرة على خلقهما”. استيقظت من الحلم أقول بصوت مسموع أنني ما عدت أحتاجها. لم أعرف إن كنت أقصد العجوز أم الكتابة أم شيئاً ثالثاً كان في الحلم ونسيته.

العجوز نفسها عادت بعد أيام لتقول للشابة “قد نستطيع أن نسرق حديثاً قصيراً من قلب العاصفة والمطر، يعيدنا إلى دواخلنا التي نحاول بكل وحشية إخفاء ما فيها. لكن ذلك لن يجعلنا نكتب إلا عن برد العاصفة وقسوتها”.
إقرأ المزيد

الطائر الجميل الذي زار كوكبنا

13517522_10208447806206413_5762043909501208597_o - Copy

يقولون أنك رقصت رقصتك الأخيرة. لكنني أعرف أنك الآن فقط بدأت.

وجهك لم يتغير كثيراً عليّ فقد اعتدته مبللاً ويلمع من العرق لأنك كنت دائم الحركة. ولم تكن تتحرك وتعبر بجسدك كما يقولون. روحك الخفيفة النقية هي التي تطير وتعلو حتى يختفي الجميع من حولك وتبقى انت وحدك على مسرحك الذي تبنيه أينما شئت وفي أي وقت شئت.

الفرق الوحيد أن وجهك هذه المرة كان بارداً. بارداً جداً يا حسن حتى أنني صرت أحاول كل دقيقة أن أنسى القبلة التي ودعتك بها على جبينك. أن أنسى أنك لم تبتسم لي حين اقتربت منك وأنك لم تحرك رأسك كما كنت دوماً تفعل حين تبدأ بالحديث. حديثنا هذه المرة كان مختلفاً. لم تكن تطمئن عليّ بل طمأنتني على نفسك. قلت لي أنك الآن فقط أصبحت بأمان.

حين غطوا وجهك كدت أصرخ أنه لا يمكن أن تكون النهاية هكذا. لا يمكن أن يغطى هذا الجسد الذي كان مليئاً بالحياة وينشرها أينما وجد. لا يمكن أن يوضع في صندوق خشبي جامد له أقفال. لم أصرخ. اكتفيت بالنظر إليك أطول وقت ممكن فقد تذكرت أنك أخبرتني عن هذا المشهد من قبل. أخبرتني أنك رأيت الله وأنك رأيت الشيطان وكان طفلاً تافهاً لا يستطيع إخافة نملة. وقد كنت تبتسم وسعيداً باكتشافك هذا. فما الذي قد يخيفك الآن؟ إقرأ المزيد

الموت تعباً

الخوف من الموت لم يعد سوى فكرة تعودنا عليها. من منا لم يتمنَ الموت يوماً؟ من منا لم يتمنَ الموت عدة مرات في اليوم نفسه؟ كم منا يتمنون الموت كلما تنبّهوا أنهم ما زالوا على قيد الحياة؟

لا أتكلم عن الإنتحار، الإنتحار مختلف عن تمني الموت. أتكلم عن لحظة الولادة التي تربطنا بالموت منذ النفس الأول.  النفس. أتفه مقومات الحياة. ما أصعب الوصول إليه ليلاً.

أتكلم عن حياة ليس فيها أي شيء ثابت وحقيقي سوى الموت. عن مفاهيم مغلوطة للوجود، عن الغباء في السعي للسعادة. كيف نسعى للوصول إلى وهم؟ الوجود هو الحزن. الحزن هو الحالة الطبيعية لكل شيء، الفرح هو الشذوذ عن القاعدة. السعادة ليست سوى إتقان التعامل مع الحزن.

أتعرفين ما هو التشاؤم يا صفية؟ التشاؤم هو أن نظن أنه يمكننا نيل المستحيل، وأن نفشل طبعاً، وأن نظل نحاول. أتعرفين ما هو التفاؤل؟ هو أن نظن أنه يمكننا نيل المستحيل، وأن نفشل طبعاً، وأن نظل نحاول. أتعرفين ما الفرق بينهما؟ كالفرق بين الإنتحار وتمني الموت. إقرأ المزيد

إلى روحك يا سليمان

Copy of 5719_239173032886286_1700196489_n 

إلى روح سليمان خاطر، البطل الذي اتهمته السلطات المصرية بالجنون و سجنته و قتلته داخل سجنه، لأنه قتل سبعة إسرائيليين أثناء تأديته خدمته العسكرية في سيناء.

قصتك يا سليمان لا تخصك وحدك و لا تخص مصر وحدها. قصتك هي قصتي و قصة بلاد كان يقال أنه يجمعها لغة واحدة و ماض واحد و مستقبل واحد، إلا أن هذا كله ليس سوى ظاهر لطيف لباطن نجس، فما يجمعها في الحقيقة هو الطمع الواحد و المصالح الواحدة و العمالة الواحدة. رغم أن حكايتك لم تغب يوماً عن بالي، إلا أنني الآن أستذكرها بألم أكبر من أي وقت مضى و أرى من خلالها واقع حياتنا و حقيقة بلاد العرب بكل وضوح.

بعد ثماني و عشرين سنة على استشهادك، لا بد أنك متشوق لتعرف عن أمك مصر و حبيبتك فلسطين و عن أعدائك الذين تعرفهم جيداً و يعرفونك. كل ما سأقوله لك عن مصر ليس جديداً عليك. أبناؤها ما زالوا طيبين صادقين و حكامها ما زالوا خبثاء نجسين و شعب مصر ما زال يقاوم للتخلص من حكام لا يشبهونه. لا أعرف إن كان هذا الخبر سيثلج صدرك و يبهجك قليلاً، لقد أصبح قاتلك في السجن الآن، ثورة شعبك اقتلعته من كرسيه و وضعته في نفس المكان الذي دفن فيه وطنيتك و أحلامك. لكنني أخاف أن أعطيك آمالاً كاذبةً فمن تسلّم الحكم بعده ليس أفضل منه. لكن أعرف أن إيمانك بمصر كبير، و أنك لا تخاف عليها فهي ستصل إلى منالها و لو بعد حين. إقرأ المزيد

إلى طفلي الذي لن أنجبه

أكتب إليك رسالتي هذه لتعرف أنني اتخذت هذا القرار لأني أحبك أكثر من أي شيء في العالم و لأن واجب الأم و حقها أن تحمي طفلها. قررت يا حبيبي أن لا أنجبك و أن تبقى آمناً حيث أنت، فالدنيا التي أعيش فيها لا تليق بملاك مثلك. سيتهمني الكثيرون بالجنون و بقلة العقل، لكنني لن أكترث لرأيهم لأن كل ما يهمني في هذه الدنيا هو سلامتك. أعرف أنك عنيد و تثور لأتفه الأشياء مثل أمك و أعرف أنك قد تغضب مني لأنني قررت عنك، لكن هذا القرار يا حبيبي لا يستطيع اتخاذه إلا من عرف عذاب الدنيا التي لن تأت أنت إليها.

لا تظن أبداً أن صراخك و بكاءك الدائم هما السبب، فهما بالنسبة لي مثل ضحكتك تماماً، صوت من الجنة التي لم أؤمن بها إلا عندما تخيلتك. و لا تظن أنه يزعجني أن أستيقظ ليلاً لأطعمك أو أن أسهر ليلتين متتاليتين لأراقب درجة حرارتك أو أن أستيقظ باكراً جداً لأنك استيقظت و تريد أن تلعب. هذا كله سيكون بالنسبة لي حلماً يتحقق، لكنني سأحرم نفسي منه لأن هذه الفترة التي أستطيع فيها حمايتك لن تدوم طويلاً. سرعان ما ستأخذك الحياة مني و ترميك في دواماتها فتصبح أكبر أمنياتك أن تعود إلي و تبكي في حضني حتى تنام و ترتاح.

لا تظن يا حبيبي أنني أبخل عليك بأقساط مدرستك و جامعتك رغم أننا سنضطر أنا و والدك أن نعمل ليل نهار لتأمينها إقرأ المزيد

قرابين للكاميرا

134588631441271

أضطرب كلما سمعت عن “رجل” يعنف زوجته و يضربها و يزيد إحساسي بالقرف كلما تنبهت إلى أن هذا الرجل يعيش معنا و بيننا و لا أحد منا يستطيع أن يوقفه، و اضطربت أكثر عندما شاهدت فيديو لبغل يضرب زوجته في مركز تجاري و أمام عيون الناس و الكاميرا و أول ما فكرت فيه كان “لماذا لم يوقفه أحد؟”. تخيلت أنني واحدة من الذين كانوا هناك فأركض و أركله في أكثر المواضع حساسية لديه و أنهال عليه بأبشع الشتائم، و أساعد المرأة على النهوض و أعطيها محاضرة بكيفية قتله و بدء حياة جديدة. ابتسمت لحماسي الزائد و أنا جالسة خلف شاشة اللابتوب.. ثم لا أعرف لماذا لمعت في ذهني صور أطفال الحولة و الغوطة و حلب.. رأيتهم جميعاً يقولون لي بصوت واحد “لماذا لم يوقفه أحد؟”.

حاولت أن لا أدخل مع نفسي في نقاشات عميقة و لم أحاول أن أحدد ما الذي ربط المرأة المعنفة في ذهني بجثث أطفال سوريا، بل وقفت عند فكرة واحدة أن هؤلاء الأطفال أيضاً قتلوا أمام مئات الكاميرات و لم يستطع أحد أن يوقف القاتل. لم أستطع أن أتخيل نفسي في سوريا و رغم كل حماسي لم أستطع أن أجد طريقة حتى في خيالي للتعامل مع كل هذا القتل. حاولت أن أتناسى سؤالهم لأنني لا أملك أي إجابة و لا حتى كذبة أو عذر يطمئنهم.

ثم لا أدري في لحظتها ما الذي ربط الكاميرات بالآلهة القديمة التي كانت تقدم لها النساء و الأطفال كقرابين.

إقرأ المزيد

كل شيء عليها فان

tripoli_dvh

مدينتي لا تختلف بشيء عن باقي المدن الجميلة في العالم، إلا بأن مساحة الأمل فيها أصغر.

طرابلس، مسقط رأس أحلامي و مقبرتها..

لا أذكر تحديداً متى أصبحت عجوزاً لا ترى و لا تسمع و لكنها لا تنسى يوماً تذكيري بأنها تحتضر؛ لا أعرفها في عزها و صباها و لم أتنشق عطر الليمون الذي كانت تغري به عشاقها. لكنني أذكرها في نضجها و أشكرها كل يوم أنها اختارتني لأكون من أبنائها؛ فإن لم نكن نحن من نختار مكان ولادتنا، لا بد أن للمكان دور في هذا الاختيار. لم أسألها يوماً لما اختارتني لأنني أتوقع ردها: لم يكتب لك الطريق السهل يا ابنتي.

لا اعتراض لي على مشيئتك، و الطريق السهل ليس أبداً ما أبحث عنه، لكنني يا مدينتي ضللت الطريق. إقرأ المزيد